الشيخ محمد النهاوندي
36
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ ذكر سبحانه أهوال البعث بعد الموت بقوله : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ النفخة الثانية ، وهي نفخة البعث والنشور ، فيقول لهم الملك تهويلا : ذلِكَ الوقت الذي بعثتم فيه يَوْمُ إنجاز الْوَعِيدِ الذي أوعدكم اللّه على لسان رسله به من العذاب والأهوال وَجاءَتْ من القبور إلى المحشر كُلُّ نَفْسٍ من النفوس البرّة والفاجرة و مَعَها ملك سائِقٌ له يسوقه إلى المحشر ، وإن اختلفت كيفية سوق المؤمن والكافر ، والمطيع والعاصي وَ ملك شَهِيدٌ على أعمالها أنّها خير تستحقّ بها الجنّة ، أو شرّ تستحق بها النار . وفي ( نهج البلاغة ) : « سائق يسوقها إلى المحشر ، وشاهد يشهد عليها بعملها » « 1 » . قيل : إنهما الملكان الكاتبان « 2 » . وقيل : ملك واحد يسوقها ويشهد على عملها « 3 » . وقيل : السائق ملك ، والشهيد جوارحه « 4 » . ثمّ يقال لذلك المسوق : لَقَدْ كُنْتَ في الدنيا غائرا فِي غَفْلَةٍ عظيمة مِنْ هذا اليوم وما فيه من الأهوال فَكَشَفْنا وأزلنا عَنْكَ غفلتك التي كانت غِطاءَكَ وحجابك الذي يمنعك عن اليقين بمجيء هذا اليوم ، ويحتمل كون المراد من الغطاء الجهل والشهوة وحبّ الدنيا فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ لانكشاف الغطاء عنه حَدِيدٌ ونافذ ، تبصر ما كنت منكره وتستبعده وتتعجّب ممّن يخبر به ، ولكن لا ينفعك اليوم إبصار وَقالَ الملك الذي هو قَرِينُهُ في الدنيا يكتب أعماله ، أو الملك الشهيد عليه ، كما عنهما عليهما السّلام « 5 » : هذا الكتاب الذي فيه أعمالك ما لَدَيَّ وهو الذي عندي عَتِيدٌ وحاضر ، أو مهيّأ جميعا للعرض . وقيل : إنّ المراد بالقرين الشيطان المقيّض له « 6 » . يقول هذا الشخص العاصي الطاغي : ما لدي والذي عندي وفي ملكتي ومقدوري عتيد ومهيأ لورود جهنّم ، قد هيأته له بإغوائي وإضلالي ، فيقول اللّه تعالى للسائق والشهيد ، أو الملكين من خزنة النار : أَلْقِيا أيّها الملكان فِي جَهَنَّمَ هذا الكافر
--> ( 1 ) . نهج البلاغة : 116 ، الخطبة 85 ، تفسير الصافي 5 : 61 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 121 . ( 3 و 4 ) . تفسير البيضاوي 2 : 422 . ( 5 ) . مجمع البيان 9 : 220 ، تفسير الصافي 5 : 62 . ( 6 ) . تفسير أبي السعود 9 : 131 ، وفي النسخة : المقبض له .